ساسي سالم الحاج
213
نقد الخطاب الاستشراقي
المبكرة . نعم إن أهل الكلام يعتقدون إمكانية تفسير القرآن عقليّا . ولكن لو فحصنا التأثير التاريخي للقرآن في تكوين الفقه في مراحله المبكرة ، فإن الفقه المحمدي لم يشتق من القرآن مباشرة ولكنه نتيجة تطور التطبيقات الإدارية والشعبية إبّان الدولة الأموية . وهذه التطبيقات العملية تختلف طبقا للتفسيرات والشروح والنيات المنصبّة على الآيات القرآنية . نعم لا يمكن إنكار احتواء القرآن على القواعد القانونية المنظمة للأحوال الشخصية ، والإرث ، وكذلك الشعائر والعبادات . ولكن « شاخت » يريد أن يؤكد أنه بالإضافة إلى هذه القواعد القانونية المبثوثة في القرآن ، فإن هناك العديد من القواعد والمعايير القانونية الأخرى مشتقة من القرآن ودخلت الفقه الإسلامي في المرحلة الثانية من تطوره « 1 » . ثم يستطرد « شاخت » في بيان الدور الثانوي للقرآن في تكوين الفقه الإسلامي ، ويضرب الأمثال على اختلاف الفقهاء حول القضايا المتعلقة بالأحوال الشخصية الواردة في القرآن لتعزيز رأيه . وسنعود إلى استعراض ومناقشة آرائه هذه في المباحث المقبلة وفي الأماكن المخصصة لها . وتحدث « لويس مايو Louis Milliot » في كتابه : « مدخل لدراسة القانون الإسلامي » عن القرآن باعتباره المصدر الرئيسي للشريعة الإسلامية ، وكان حديثه مقتضبا تناول المناحي التاريخية أكثر من تناوله لخصائصه القانونية . وبعد أن يصف الكتاب بالصحة ، والقداسة ، ويشير إلى كيفية كتابته ، وجمعه ، وخصائصه يذكر في النهاية بأنه مصدر ضيق للشريعة الإسلامية ، فستمائة آية فقط تتناول القواعد القانونية ، منها قانون الأحوال الشخصية ، والإرث ، وتنظيم الزكاة وكيفية توزيعها . ولكن التأويل الأدبي ، والأسلوب اللغوي لعبا دورا رئيسا في تكوين القواعد القانونية والتي استنبطها الفقهاء والشرّاح من آياته المتعددة ، وعلى العموم فإنه يرى ضرورة فهم القرآن واستنباط القواعد القانونية من آياته من خلال تفسيره وتأويله طبقا لما نظّمه علماء أصول الفقه « 2 » . ويخصص المستشرق الإنجليزي « كولسون Coulson » كتابا هامّا عن الفقه الإسلامي بعنوان : « تاريخ التشريع الإسلامي » . ويشير في الفصل الأول منه إلى دور
--> ( 1 ) Schacht , Origins , op . cit , p . 224 . ( 2 ) Louis Milliot , Introduction a L'etude du droit Musulman , Recueil Sirey , Paris , 1953 , p . 106 .